محمد سالم أبو عاصي

39

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

التأليف جاء تأليفه . . فأي جديد في مفردات القرآن لم يعرفه العرب من موادّها وأبنيتها ؟ وأي جديد في تركيب القرآن لم تعرفه العرب من طرائقها ولم تأخذ به في مذاهبها ، حتى نقول إنه قد جاءهم بما فوق طاقتهم اللغوية ؟ قلنا له : أما أن القرآن الكريم لم يخرج في لغته عن سنن العرب في كلامهم إفرادا وتركيبا ؛ فذلك في جملته حق لا ريب فيه . وبذلك كان أدخل في الإعجاز ، وأوضح في قطع الأعذار : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [ سورة فصلت : 44 ] . وأما بعد . . فهل ذهب عنك أن مثل صنعة البيان كمثل صنعة البنيان ؟ ! فالمهندسون البناءون لا يخلقون مادّة بناء لم تكن في الأرض ، ولا يخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامة ، ولا يعدو ما يصنعونه أن يكون جدرانا مرفوعة ، وسقفا موضوعة ، وأبوابا مشرّعة ، ولكنهم تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد وأبقاها على الدهر ، وأكنّها للناس من الحرّ والقرّ ، وفي تعميق الأساس وتطويل البنيان ، وتخفيف المحمول منها على حامله ، والانتفاع بالمساحة اليسيرة في المرافق الكثيرة ، وترتيب الحجرات والأبهاء بحيث يتخللها الضوء والهواء . فمنهم من يفي بذلك كله أو جله ، ومنهم من يخل بشيء منه أو أشياء . . إلى فنون من الزينة والزخرف يتفاوت الذوق الهندسي فيها تفاوتا بعيدا . كذلك ترى أهل اللغة الواحدة . . يؤدون الغرض الواحد على طرائق شتى يتفاوت حظها في الحسن والقبول ، وما من كلمة من كلامهم ولا وضع من أوضاعهم بخارج عن مواد اللغة وقواعدها في الجملة . ولكنه حسن الاختيار في تلك المواد والأوضاع قد يعلو بالكلام حتى يسترعي سمعك ، ويثلج صدرك ،